فصل: تفسير الآية رقم (214):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (213):

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)}
{كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} متفقين على التوحيد مقرين بالعبودية حين أخذ الله تعالى عليهم العهد، وهو المروي عن أبيّ بن كعب أو بين آدم وإدريس عليهما السلام بناءًا على ما في روضة الأحباب أن الناس في زمان آدم كانوا موحدين متمسكين بدينه بحيث يصافحون الملائكة إلا قليل من قابيل ومتابعيه إلى زمن رفع إدريس، أو بين آدم ونوح عليهما السلام على ما روى البزار وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان بينهما عشرة قرون على شريعة من الحق، أو بعد الطوفان إذ لم يبق بعده سوى ثمانين رجلًا وامرأة ثم ماتوا إلا نوحًا وبنيه حام وسام ويافث وأزواجهم وكانوا كلهم على دين نوح عليه الصلاة والسلام فالاستغراق على الأول والأخير حقيقي، وعلى الثاني والثالث ادعائي بجعل القليل في حكم العدم، وقيل: متفقين على الجهالة والكفر بناءًا على ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا كفارًا وذلك بعد رفع إدريس عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث نوح، أو بعد موت نوح عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث هود عليه الصلاة والسلام.
{فَبَعَثَ الله النبيين} أي فاختلفوا فبعث إلخ وهي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإنما حذف تعويلًا على ما يذكر عقبه. {مُبَشّرِينَ} من آمن بالثواب. {وَمُنذِرِينَ} من كفر بالعذاب وهم كثيرون، فقد أخرج أحمد وابن حبان عن أبي ذر أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا قلت: يا رسول الله كم الرسل؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير» ولا يعارض هذا قوله تعالى: {وَرُسُلًا قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ} [النساء: 164] الآية لما سيأتي إن شاء الله تعالى، والجمعان منصوبان على الحال من {النبيين}، والظاهر أنها حال مقدرة، والقول بأنها حال مقارنة خلاف الظاهر.
{وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب} اللام للجنس ومعهم حال مقدرة من الكتاب فيتعلق حذوف، وليس منصوبًا بأنزل والمعنى أنزل جنس الكتاب مقدرًا مقارنته ومصاحبته للنبيين حيث كان كل واحد منهم يأخذ الأحكام إما من كتاب يخصه أو من كتاب من قبله، والكتب المنزلة مائة وأربعة في المشهور أنزل على آدم عشر صحائف وعلى شيث ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى قبل التوراة عشر، والتوراة والإنجيل، والزبور والفرقان، وجوز كون اللام للعهد وضمير معهم للنبيين باعتبار البعض أي أنزل مع كل واحد من بعض النبيين كتابه، ولا يخفى ما فيه من الركة {بالحق} متعلق بـ {أَنَزلَ} أو حال من {الكتاب} أي متلبسًا شاهدًا به {لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس} علة للإنزال المذكور أوله وللبعث، وهذا البعث المعلل هو المتأخر عن الاختلاف فلا يضر تقدم بعثة آدم وشيث، وإدريس عليهم الصلاة والسلام بناءًا على بعض الوجوه السابقة والحكم عنى الفصل بقرينة تعلق بين به ولو كان عنى القضاء لتعدى بعلى؛ والضمير المستتر راجع إلى الله سبحانه ويؤيده قراءة الجحدري فيما رواه عنه مكي {لنحكم} بنون العظمة أو إلى النبي وأفرد الفعل لأن الحاكم كل واحد من النبيين، وجوز رجوعه إلى الكتاب والإسناد حينئذ مجازي باعتبار تضمنه ما به الفصل، وزعم بعضهم أنه الأظهر إذ لابد في عوده إلى الله تعالى من تكلف في المعنى أي يظهر حكمه وإلى النبي من تكلف في اللفظ حيث لم يقل ليحكموا، ومما ذكرنا يعلم ما فيه من الضعف، والمراد من الناس المذكورون والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التعيين.
{فِيمَا اختلفوا فِيهِ} أي في الحق الذي اختلفوا فيه بناءًا على أن وحدة الأمة بالاتفاق على الحق وإذا فسرت الوحدة بالاتفاق على الجهالة والكفر يكون الاختلاف مجازًا عن الالتباس والاشتباه اللازم له والمعنى فيما التبس عليهم {وَمَا اختلف فِيهِ} أي في الحق بأن أنكروه وعاندوه أو في الكتاب المنزل متلبسًا به بأن حرفوه وأولوه بتأويلات زائغة والواو حالية. {إِلاَّ الذين أُوتُوهُ} أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف وإزاحة الشقاق أي عكسوا الأمر حيث جعلوا ما أنزل مزيحًا للاختلاف سببًا لرسوخه واستحكامه، وبهذا يندفع السؤال بأنه لما لم يكن الاختلاف إلا من الذين أوتوه فالاختلاف لا يكون سابقًا على البعثة وحاصله أن المراد هاهنا استحكام الاختلاف واشتداده، وعبر عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق فإن الإنزال لا يفيد ذلك، وقيل: عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات} أي رسخت في عقولهم الحجج الظاهرة الدالة على الحق، و{مِنْ} متعلقة بـ {اختلفوا} محذوفًا، والحصر على تسليم أن يكون مقصودًا مستفاد من المقام أو من حذف الفعل، ووقوع الظرف بعد حرف الاستثناء لفظًا، أو من تقدير المحذوف مؤخرًا وفي الدر المصون تجويز تعلقه بما اختلف قبله ولا يمنع منه إلا كما قاله أبو البقاء، وللنحاة في هذا المقام كلام محصله أنّ استثناء شيئين بأداة واحدة بلا عطف غير جائز مطلقًا عند الأكثرين، لا على وجه البدل ولا غيره ويجوز عند جماعة مطلقًا وفصل بعضهم إن كان المستثنى منه مذكورًا مع كل من المستثنيين وهما بدلان جاز وإلا فلا واستدل من أجاز مطلقًا بقوله تعالى: {وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى} [هود: 27] فإنه لم يذكر فيه المستثنى أصلًا، والتقدير: ما نراك اتبعك أحد في حال إلا أراذلنا في بادي الرأي وأجاب من لم يجوّز بأن النصب بفعل مقدر أي: اتبعوا وبأنّ الظرف يكفيه رائحة الفعل فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره قاله الرضيّ وهو مبنى الاختلاف في الآية.
وقوله تعالى: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} متعلق بما تعلق به {مِنْ} والبغي الظلم أو الحسد، و{بَيْنَهُمْ} متعلق حذوف صفة {بَغِيًّا} وفيه إشارة على ما أرى إلى أنّ هذا البغي قد باض وفرخ عندهم، فهو يحوم عليهم ويدور بينهم لا طمع له في غيرهم، ولا ملجأ له سواهم، وفيه إيذان بتمكنهم في ذلك وبلوغهم الغاية القصوى فيه وهو فائدة التوصيف بالظرف وقيل: أشار بذلك إلى أنّ البغي أمر مشترك بينهم وأنّ كلهم سفل، ومنشأ ذلك مزيد حرصهم في الدنيا وتكالبهم عليها {فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ} أي بأمره أو بتوفيقه وتيسيره، و{مِنْ} بيان {لَّمًّا} والمراد للحق الذي اختلف الناس فيه فالضمير عام شامل للمختلفين السابقين واللاحقين وليس راجعًا إلى «الذين أوتوه» كالضمائر السابقة، والقرينة على ذلك عموم الهداية للمؤمنين السابقين على اختلاف أهل الكتاب واللاحقين بعد اختلافهم، وقيل: المراد من {الذين كَفَرُواْ} أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في {اختلفوا} للذين أوتوه أي الكتاب، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: اختلفوا في يوم الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد فهدى الله تعالى أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس وهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للقبلة. واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار والليل، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله تعالى حنيفًا مسلمًا فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه الصلاة والسلام، فكذبت به اليهود وقالوا لأمّه: بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله تعالى روحه وكلمته، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك وقراءة أبيّ بن كعب {فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ لّيَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس}. {والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه، والجملة مقررّة لمضمون ما قبلها.

.تفسير الآية رقم (214):

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)}
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة} نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدّة والخوف والبرد وسوء العيش وأنواع الأذى، حتى بلغت القلوب الحناجر، وقيل: في غزوة أحد، وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتدّ الضر عليهم، لأنهم خرجوا بغير مال وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين، وآثروا رضا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييبًا لقلوبهم هذه الآية، والخطاب إمّا للمؤمنين خاصة، أو للنبي صلى الله عليه وسلم ولهم، ونسبة الحسبان إليه عليه الصلاة والسلام إمّا لأنه لما كان يضيق صدره الشريف من شدائد المشركين نزل منزلة من يحسب أن يدخل الجنة بدون تحمل المكاره، وإمّا على سبيل التغليب كما في قوله سبحانه: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] و{أَمْ} منقطعة والهمزة المقدّرة لإنكار ذلك الحسبان وأنه لا ينبغي أن يكون، وقيل: متصلة بتقدير معادل، وقيل: منقطعة بدون تقدير، وفي الكلام التفات إلا أنه غير صريح من الغيبة إلى الخطاب لأنّ قوله سبحانه: {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} [البقرة: 213] كلام مشتمل على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد، وإظهار المعجزات تشجيعًا للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين، أو للمؤمنين خاصة فكانوا من هذا الوجه مرادين غائبين ويؤيده {فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ} [البقرة: 213] إلخ فإذا قيل: بعد {أَمْ حَسِبْتُمْ} كان نقلًا من الغيبة إلى الخطاب، أو لأنّ الكلام الأوّل تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والصبر على أذى المشركين، فكأنه وضع موضع كان من حق المؤمنين التشجيع والصبر تأسيًا بمن قبلهم، كما يدل عليهم ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله تعالى لنا؟ فقال: «إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه ثم قال: والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلى الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» وهذا هو المضرب عنه ببل التي تضمنتها {أَمْ} أي دع ذلك أحسبوا أن يدخلوا الجنة فترك هذا إلى الخطاب وحصل الالتفات معنى، ومما ذُكر يعلم وجه ربط الآية بما قبلها، وقيل: وجه ذلك أنه سبحانه لما قال: {يَهْدِى مَن يَشَآء إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] وكان المراد بالصراط الحق الذي يفضي اتباعه إلى دخول الجنة بين أن ذلك لا يتم إلا باحتمال الشدائد والتكليف.
{وَلَمَّا يَأْتِكُم} الواو للحال، والجملة بعدها نصب على الحال أي غير آتيكم {وَلَمَّا} جازمة كلم وفرّق بينهما في كتب النحو، والمشهور أنها بسيطة، وقيل: مركبة من لم وما النافية وهي نظيره قد في أنّ الفعل المذكور بعدها منتظر الوقوع. {مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} أي مثل مثلهم وحالهم العجيبة، فالكلام على حذف مضاف، و{الذين} صفة لمحذوف أي المؤمنين، {وَمِنْ قَبْلِكُمْ} متعلق بـ {خَلَوْاْ} وهو كالتأكيد لما يفهم منه. {مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء} بيان للمثل على الاستئناف سواء قدّر كيف ذلك المثل أو لا، وجوّز أبو البقاء كونها حالية بتقدير قد {وَزُلْزِلُواْ} أي أزعجوا إزعاجًا شديدًا بأنواع البلاء. {حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ} أي انتهى أمرهم من البلاء إلى حيث اضطروا إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بما يليق به تعالى، وما تقتضيه حكمته، والمؤمنون المقتدون بآثاره، المهتدون بأنواره {متى} يأتي {نَصْرُ الله} طلبًا وتمنيًا له، واستطالة لمدة الشدّة لا شكًا وارتيابًا والمراد من {الرسول} الجنس لا واحد بعينه، وقيل: هو اليسع، وقيل: شعياء، وقيل: أشعياء، وعلى التعيين يكون المراد من {الذين خَلَوْاْ} قومًا بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل وقرأ نافع {يِقُولُ} بالرفع على أنها حكاية حال ماضية و{مَعَهُ} يجوز أن يكون منصوبًا بـ {يِقُولُ} أي إنهم صاحبوه في هذا القول وأن يكون منصوبًا بـ {ءامَنُواْ} أي وافقوه في الإيمان {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} استئناف نحوي على تقدير القول أي فقيل لهم حينئذ ذلك تطييبًا لأنفسهم بإسعافهم رامهم وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقق مضمونها وتقريره ما لا يخفى، واختيار حكاية الوعد بالنصر لما أنها في حكم إنشاء الوعد للرسول والاقتصار على حكايتها دون حكاية النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخلف، وقيل: لما كان السؤال تى يشير إلى استعلام القرب تضمن الجواب القرب واكتفى به ليكون الجواب طبق السؤال، وجوز أن يكون هذا واردًا من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا واردًا عند وقوع المحكي، والقول بأن هذه الجملة مقول الرسول {متى نَصْرُ الله} تعالى مقول من معه على طريق اللف والنشر الغير المرتب ليس بشيء، أما لفظًا فلأنه لا يحسن تعاطف القائلين دون المقولين، وأما معنى للأنه لا يحسن ذكر قول الرسول {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} في الغاية التي قصد بها بيان تناهي الأمر في الشدة، والقول بأن ترك العطف للتنبيه على أن كلا مقول لواحد منهما، واحتراز عن توهم كون المجموع مقول واحد وتنبيه على أن الرسول قال لهم في جوابهم وبأن منصب الرسالة يستدعي تنزيه الرسول عن التزلزل لا ينبغي أن يلتفت إليه لأنه إذا ترك العطف لا يكون معطوفًا على القول الأول فكيف التنبيه على كون كل مقولًا لواحد منهما، ولا نأمن وراء منع كون منصب الرسالة يستدعي ذلك التنزيه وليس التزلزل والانزعاج أعظم من الخوف، وقد عرى الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يصرح به كثير من الآيات، وفي الآية رمز إلى أن الوصول إلى الجناب الأقدس لا يتيسر إلا برفض اللذات ومكابدة المشاق كما ينبئ عنه خبر: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز فذلك الذي نجاه الله تعالى من السيآت ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد افتتن» ومن باب الإشارة في الآيات: {وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا} يدعي المحبة ويتكلم في دقائق الأسرار ويظهر خصائص الأحوال وهو في مقام النفس الأمارة {وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ} من المعارف والإخلاص بزعمه {وَهُوَ أَلَدُّ الخصام} [البقرة: 204] الخصومة لأهل الله تعالى في نفس الأمر {وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا} بالقاء الشبه على ضعفاء المريدين {وَيُهْلِكَ الحرث} ويحصد نجل تمويهاته زرع الإيمان النابت في رياض قلوب السالكين ويقطع نسل المرشدين {والله لاَ يُحِبُّ الفساد} [البقرة: 205] فكيف يدعي هذا الكاذب محبة الله تعالى ويرتكب ما لا يحبه {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله} حملته الحمية النفسانية حمية الجاهلية على الإثم لجاجًا وحبًا لظهور نفسه وزعمًا منه أنه أعلم بالله سبحانه من ناصحه {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} [البقرة: 206] أي يكفيه حبسه في سجين الطبيعة وظلماتها، وهذه صفة أكثر أرباب الرسوم الذين حجبوا عن إدراك الحقائق بما معهم من العلوم {وَمِنَ الناس مَن} [البقرة: 207] يبذل نفسه في سلوك سبيل الله طلبًا لرضاه ولا يلتفت إلى القال والقيل ولا يغلو لديه في طلب مولاه جليل {يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم} [البقرة: 208] وتسليم الوجود لله تعالى والخمود تحت مجاري القدرة لكم وعليكم كافة {فَإِن زَلَلْتُمْ} عن مقام التسليم والرضا بالقضاء {مِن بَعْدِ} دلائل تجليات الأفعال والصفات، {البينات فاعلموا أَنَّ الله} تعالى: {عَزِيزٌ} غالب يقهركم، {حَكِيمٌ} [البقرة: 209] لا يقهر إلا على مقتضى الحكمة، {هَلْ يَنظُرُونَ} إلا أن يتجلى الله سبحانه: {فِي ظُلَلٍ} صفات قهرية منن جملة تجليات الصفات وصور ملائكة القوى السماوية، {وَقُضِىَ الامر} بوصول كل إلى ما سبق له في الأزل {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور} [البقرة: 210] بالفناء {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} على الفطرة ودين الحق في عالم الإجمال ثم اختلفوا في النشأة بحسب اختلاف طبائعهم وغلبة صفات نفوسهم واحتجاب كل ادة بدنه {فَبَعَثَ الله النبيين} [البقرة: 213] ليدعوهم من الخلاف إلى الوفاق ومن الكثرة إلى الوحدة ومن العداوة إلى المحبة فتفرقوا وتحزبوا عليهم وتميزوا، فالسفليون ازدادوا خلافًا وعنادًا؛ والعلويون هداهم الله تعالى إلى الحق وسلكوا الصراط المستقيم {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ} جنة المشاهدة ومجالس الأنس بنور المكاشفة {وَلَمَّا يَأْتِكُم} حال السالكين قبلكم مستهم بأساء الفقر وضراء المجاهدة وكسر النفس بالعبادة حتى تضجروا من طول مدة الحجاب وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وطلبوا نصر الله تعالى بالتجلي فأجيبوا إذا بلغ السيل الزبى، وقيل: لهم إلا إن نصر الله برفع الحجاب وظهور آثار الجمال قريب ممن بذل نفسه وصرف عن غير مولاه حسنه وتحمل المشاق وذبح الشهوات بسيف الأشواق:
ومن لم يمت في حبه لم يعش به ** ودون اجتناء النحل ما جنت النحل